ابن المقفع
183
آثار ابن المقفع
بعد فراق الأحبة ، وإذا فارق الأليف أليفه ، فقد سلب فؤاده ، وحرم سروره ، وغشي على بصره . فلم ينته كلامهما حتى وافى « 1 » القانص ووافق ذلك فراغ الجرذ من قطع الشرك ، فنجا الظبي بنفسه وطار الغراب محلقا ودخل الجرذ بعض الأجحار ، ولم يبق غير السلحفاة ودنا الصياد فوجد حبائله مقطعة ، فنظر يمينا وشمالا فلم يجد غير السلحفاة تدب فأخذها وربطها . فلم يلبث « 2 » الغراب والجرذ والظبي ان اجتمعوا فنظروا القانص قد ربط السلحفاة فاشتد حزنهم وقال الجرذ : ما أرانا « 3 » نجاوز عقبة « 4 » من البلاء إلا صرنا إلى أشد منها . ولقد صدق الذي قال : لا يزال الإنسان مستمرا في إقباله ما لم يعثر ، فإذا عثر لج « 5 » به العثار . . وإن مشى في جدد « 6 » الأرض . وحذري على السلحفاة خير الأصدقاء التي خلتها ليست للمجازاة ولا لالتماس مكافأة ، ولكنها خلة الكرم والشرف ، خلة هي أفضل من خلة الوالد لولده ، خلة لا يزيلها إلا الموت ويح « 7 » لهذا الجسد الموكل « 8 » به البلاء الذي لا يزال في تصرف وتقلب ، ولا يدوم له شيء ، ولا يلبث معه امر كما لا يدوم للطالع من النجوم طلوع ولا للآفل « 9 » منها أفول ، لكن لا يزال الطالع منها أفلا والآفل طالعا . وكما تكون الام الكلوم « 10 » وانتقاض « 11 » الجراحات ، كذلك حالي انا الذي ذكرني هذا البلاء سابق أحوالي ، كالجرح المندمل « 12 » تصيبه الضربة فيجتمع عليه ألمان ، ألم الضربة وألم
--> ( 1 ) وافى : اتى ، جاء . ( 2 ) لم يلبث : لم يتأخر ، لم يبطىء . ( 3 ) أرانا : أرى أنفسنا . ( 4 ) عقبة : الأصل فيها الطريق الصعبة في الجبل والمراد بها هنا الورطة . ( 5 ) لج : تمادى . ( 6 ) جدد الأرض : الغليظ المستوي من الأرض . ( 7 ) ويح : ويل ( 8 ) الموكل به : المنوط ، المتعلق به . ( 9 ) أفلت الشمس تأفل : غابت ، والآفل . الغارب . ( 10 ) الكلوم : الجراح . ( 11 ) انتقاض : انتكاس . ( 12 ) المندمل : الذي برئ .